من المهدية الفاطمية إلى قيروان الأغالبة:  كيف صنع المولد النبوي هوية تونس؟

 

في تونس، لا يمرّ يوم المولد النبوي كحدث عابر

في تقويم الأيام، ولا كمجرد محطة في التقويم الهجري... إنه استدعاء  للهوية التونسية. هي هوية  فريدة ومتمايزة عن غيرها من هويات العالم الإسلامي حيث تمتزج فيها "الخرجة" الصوفية بدفوف "السُلامية"، وتتقاطع فيها زغاريد النساء مع تهاليل المآذن، وتتداخل فيها رائحة البخور بنكهة "عصيدة الزڤوڤو"...  فياحتفالات المولد النبوي تحضر الذاكرة الجمعية  لتشكل من الموسيقى والطعام والمعمار طابعا تونسيا خالصا لا شبيه له .  

 من أسوار المهدية العتيقة حيث ولدت أولى معالم الاحتفال، إلى مآذن القيروان الشامخة التي احتضنت الروح التونسية وثبّتتها، ينسج التونسيون كل عام قصة عشق فريدة لذكرى المولد النبوي. في السطور التالية، نسافر عبر دفاتر التاريخ والوجدان لنكتشف كيف تحول المولد إلى ركيزة أساسية من ملامح  الهوية التونسية.

من قصور الفاطميين إلى حواضر الحفصيين

 تُجمع المصادر التاريخية على أن الدولة الفاطمية (من القرن الرابع الهجري إلى العاشر الميلادي)، والتي اتخذت من مدينة المهدية التونسية عاصمة أولى لها، هي أول من استحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي في إفريقية (تونس حاليا). كان الاحتفال حينها يهدف إلى ترسيخ شرعية الخلافة الفاطمية عبر ربطها بالنسب النبوي الشريف. كانت الطقوس تقتصر على قصور الخلفاء والوزراء، حيث تُوزع الحلوى والصدقات، وتُلقى الخطب والقصائد المدحيةالتي تُمجّد آل البيت، مما جعل المناسبة أداة دبلوماسية ودعائية بامتياز قبل أن تنتقل معهم إلى مصر.

لكن المنعطف الأبرز الذي صبغ المناسبة بروحها الشعبية التونسية الخالصة، تجلى في العهد الحفصي (القرن السابع الهجري). فتحت وطأة الصراع الثقافي لحماية الهوية الإسلامية ومواجهة تمدد الاحتفالات المسيحية في الأندلس، أمر السلاطين الحفصيون، وعلى رأسهم أبو زكرياء يحيى الواثق، بترسيم المولد عيدا رسميا وشعبيا جامعا. فمُدت الأسمطة (موائد الطعام الكبرى) في جامع الزيتونة المعمور وقصر القصبة، وتآخت الصوفية مع عامة الشعب لتتحول الذكرى من بروتوكول سلطوي إلى نبض شعبي يملأ الأزقة والقلوب.

القيروان: محراب الاحتفال ومطلع الأنوار

 تُلّقب مدينة القيروان بـ «رابعة الثلاث»، لأنها تُعدّ رابع أقدس المدن الإسلامية بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس (القدس). ويأتي هذا اللقب  اعترافا بمكانتها الدينية والتاريخية المهمة ودورها الكبير في نشر الإسلام والعلم في شمال إفريقيا وخارجها.

وإن كان للمولد قلب نابض في تونس، فقلبه القيروان. فهذه المدينة التي نجحت، بفضل عمقها الروحي وجامع عقبة بن نافع، في احتضان هذا الإرث التاريخي وتطويره عبر العصور تمثل  مركز ومحّج احتفالات المولد في كل عام . وفي القيروان التي تنطق فيها الحجارة تاريخا وتفوح فيها الأزقة بعبق الفاتحين، تتحول "عاصمة الأغالبة" إلى مزار روحي عالمي يستقطب ملايين الناس سنويا بمناسبة احتفالات المولد النبوي. فتلتحف المدينة بالنور، وتتعطّر بالنفحات الصوفية، وفي باحات جامعها الأعظم، تتماوج الجموع على وقع تلاوة السيرة النبوية، وتنبعث "الهمزية" و"البردة" بأصوات شجية تسافر بالسامع إلى عوالم من الصفاء الذهني والانتشاء الروحي. عند الاحتفال بالمولد النبوي في القيروان تطل  تونس بوجهها الأبهى والأبقى الذي يعكس أصالة الماضي وعمق الانتماء.

"الخرجة" و"السلامية": رقصة الروح ووجدالتصوف

 في احتفالات المولد النبوي الشريف، تتجلى الهوية التونسية في أبهى حللها المشهدية عبر "الخرجة" الصوفية. إنه مشهد مهيب يختصر البعد الجمالي للشخصية التونسية، ويشكل امتدادا مباشرا للطقوس المُرادية والحسينية. حيث يخرج الرجال والشباب مرتادين "الجبة" الحريرية المطرزة، ويضعون "الشاشية" القرمزية، يتقدمهم حملة الأعلام الملونة والمباخر التي يفوح منها عبق  البخور. فيطوفون شوارع المدن العتيقة على وقع دفوف فرق "السلامية" و"الحضرة"... تتجاوز هذه الأناشيد مجرد كونها مدائح نبوية  لتمثل مناجاة تونسية مفعمة بالمقامات الموسيقية الأندلسية والمغاربية الشجية، في تأثربالإيقاع الإفريقي...  وهو ما يعكس وجه إسلام تونسي سمح ومنفتح .

"الزقوقو": من قوت المجاعة إلى قصر البايات

 وفي المطابخ التونسية، تُكتب تفاصيل الهوية بلغة المذاق الذي وُلد من رحم المعاناة مع الجوع. إنّ "عصيدة الزڤوڤو" (المستخلصة من حبات الصنوبر الحلبي) ليست مجرد طبق حلوى يُزين بالمكسرات. إنها حكاية صمود وتحدٍ أثمرت خلال مجاعة عام 1864 (عام اللّاز). فحين أصاب القحط الأرض والزرع وجفت المنابع وشحت الحبوب، استنجد أهالي الشمال الغربي بغابات الصنوبر الحلبي وحوّلوا  أكواز "الزڤوڤو" السوداء إلى قوت يقي البطون خطر المجاعة.

ومع مرور السنين، حوّل التونسيون بذكائهم هذا المكون من "غذاء للأزمة" إلى "أيقونة للفرح والاحتفال" برعاية من البايات الحسينيين. إنّ هذا الطبقبلونه الأسمر المخملي، والذي يتطلب صبرا وطقوسا ومهارات متوارثة في إعداده، يلخص روح التضامن والتآزر، حيث لا يكتمل الاحتفال إلا بتبادل الصحون بين الجيران والأقارب، في مشهد يرسخ قيم التكافل والمحبة والتآخي بين العائلات.

المولد وموسم الأفراح

 على هامش الاحتفال بالروحانيات، يعيد المولد النبوي حياكة النسيج الاجتماعي التونسي الضارب في التاريخ والحضارة. فتخرج النساء بـ"السفساري" الأبيض الحريري مثل حمام السلام في المدن العتيقة، ويبتهج الأطفال بملابسهم التقليدية الجديدة. واعتبارا لبركة هذا اليوم المخصوص، تقام المناسبات الاجتماعية، حيث تطرق أبواب العائلات طلبا لخطبة الفتيات، وتُعقد عقود القران تبركا بنور الذكرى. كما تتكاتف الأيادي البيضاء لتقيم طقوس الختان الجماعي لأطفال العائلات الفقيرة ... ومن خلال هذه المباهج وهذه الاحتفالات، تؤكد تونس في كل مولد نبوي أنّ الهوية ليست شعارات، إنما هي رحمة متبادلة وتوطيد لصلة الرحم وإحياء لقيم التضامن الإنساني.

   إنّ احتفال التونسيين بالمولد النبوي الشريف هو إعلان متجدد عن هوية تأبى الذوبان أو الاضمحلال أو الاستنساخ... هي هوية تجمع بين الروح والمادة، بين قدسية المناسبة والموروث الحضاري . وفي كل مولد نبوي، تعرفتونس جيّدا كيف تُلبس موعد الفرح الإسلامي رداءً تونسيا خالصا، وكيف تُعطر الاحتفال برائحة تونسية مميزة ضاربة في أعماق التاريخ.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115